مسيحيّو الجنوب يعزّزون موقف التفاوض... وبري يلتحق لاحقاً
شربل البيسري
Monday, 16-Mar-2026 06:47

في أروقة القرار الغربي، حيث تُقرأ التطوُّرات اللبنانية بكثير من الحذر وكثير من الواقعية في آن واحد، يتردَّد في الآونة الأخيرة كلام واضح: نافذة الفرصة التي فُتحت أمام لبنان يجب ألّا تُترك لتُغلَق ببطء. فالدول التي تتابع الملف اللبناني من قرب، ترى أنّ طرح رئيس الجمهورية جوزاف عون لمسار مفاوضات لبنانية - إسرائيلية مباشرة، والدعم الذي أبداه رئيس الحكومة نواف سلام لهذا التوجُّه، يشكّلان خطوة سياسية لافتة في لحظة إقليمية دقيقة.

مصدر ديبلوماسي غربي رفيع يختصر لـ«الجمهورية» المشهد بعبارة بسيطة: «في السياسة كما في الحياة، الطرق المسدودة لا تُفتح بالصراخ بل بالمفاتيح». والمفتاح هنا، برأيه، هو التفاوض. فالتاريخ مليء بأمثلة تؤكّد أنّ الخصومات الكبرى انتهت إلى طاولة الحوار، وأنّ ما لا تحققه المدافع تحققه أحياناً الكلمات الهادئة.

 

في المقابل، يدرك هذا المصدر أنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري يتحفّظ على المسار المطروح، ولا سيما لجهة آلية التمثيل في أي مفاوضات محتملة، ورفضه تسمية شخصية شيعية للمشاركة ضمن الوفد اللبناني. إلّا أنّ القراءة الغربية لا ترى في هذا الموقف نهاية الطريق. فكما يشرح مثل سياسي قديم يتردَّد في العواصم الديبلوماسية: «القافلة التي تعرف وجهتها لا تتوقف عند كل صخرة في الطريق».

 

ويعتبر المصدر أنّ التجارب اللبنانية نفسها تثبت أنّ التوازنات الداخلية كثيراً ما تدفع المعترضين إلى اللحاق بالتسويات عندما تتضح معالمها، و»مَن يلتحق بالقطار متأخّراً يبقى في النهاية ضمن الرحلة»، مضيفاً، في إشارة إلى أنّ بري، بحُكم موقعه وخبرته الطويلة في إدارة التسويات، قد يجد نفسه لاحقاً جزءاً من المسار، إذا تبيَّن أنّ الدولة اللبنانية ستسير فيه بجدّية وليس هناك أي طريق آخر، حتى ولو قبل وقف النار، خصوصاً مع التوغل الإسرائيلي في الجنوب، ممّا سيكون فرصة «لتحرير الأرض من الاحتلال من دون إطلاق النار، وبالديبلوماسية فقط».

 

لكن ما يعتبره المصدر أكثر أهمّية الآن، ليس الجدل السياسي الداخلي بحدّ ذاته، بل الرسالة الوطنية التي يجب أن تصدر من الدولة. وفي هذا السياق، يشير إلى أنّ القرى المسيحية الحدودية في الجنوب قدّمت في الأشهر الأخيرة موقفاً لافتاً بحدّ ذاته، من دون حاجة إلى أي مبادرات رمزية إضافية. فهذه القرى التي رفض عدد كبير من سكانها الإخلاء، على رغم من الظروف الأمنية الصعبة حولها، رفعت موقفاً واضحاً مفاده أنّها قرى مسالمة تريد أن تعيش بسلام، وترفض أن تتحوّل أرضها إلى منصة لأي عمل عسكري أو نقطة اشتباك.

 

وبحسب المصدر، فإنّ هذا الموقف بحدّ ذاته يشكّل رسالة سياسية وأخلاقية بالغة الأهمية. فهذه القرى تقول، عملياً، إنّ أهل الحدود ليسوا طرفاً في الحرب، وإنّهم يريدون أن يبقوا خارجها، ويتمسكون فقط بحقهم الطبيعي في العيش على أرضهم بسلام. وفي رأيه، يكفي أن تتبنّى الدولة هذا الموقف، وأن تعتبره جزءاً من رؤيتها الوطنية، لأنّه يعبّر عن شريحة لبنانية تعيش على خط النار لكنّها ترفض منطق الحرب.

 

ومن هذا المنطلق، يرى المصدر أنّ المطلوب ليس خطوات رمزية بقدر ما هو ترجمة سياسية واضحة: أن تستند الدولة اللبنانية، بقيادة رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، إلى هذا الصوت الصادر من الحدود نفسها، وأن تقدّمه كدليل على أنّ لبنان الرسمي لا يريد الحرب التي وجد نفسه متورِّطاً فيها نتيجة سياسات «حزب الله»، بل يريد استعادة أرضه واستقراره عبر الوسائل الديبلوماسية.

 

ويضيف المصدر، أنّ في لبنان اليوم عناصر عديدة قد تدفع مختلف الأفرقاء إلى إعادة النظر في موقفهم من فكرة المفاوضات المباشرة. أول هذه العناصر هو الواقع الميداني نفسه، حيث بات واضحاً أنّ استمرار المواجهة المفتوحة على الحدود لا يقدّم للبنان أي مكسب استراتيجي، بل يفاقم الخسائر الاقتصادية والبشرية ويزيد عزلة البلد. وثانيها أنّ المجتمع الدولي بات ينظر إلى الحلول الديبلوماسية كالمسار الوحيد القابل للحياة، بعدما أثبتت السنوات الماضية أنّ الحروب في الشرق الأوسط لا تنتهي إلّا بتفاهمات.

 

العامل الثالث، بحسب المصدر، هو أنّ لبنان يقف اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة تثبيت موقع الدولة كمرجعية وحيدة في قضايا الحرب والسلم. فالمفاوضات، في حال انطلقت، لن تكون مجرّد مسار تقني لترسيم أو تثبيت ترتيبات أمنية، بل قد تشكّل خطوة لإعادة الاعتبار لدور المؤسسات الشرعية في إدارة الملفات السيادية، وصولاً إلى تأمين سلام مستدام على الحدود الجنوبية.

 

ويذكّر المصدر هنا بحكمة سياسية يتداولها الديبلوماسيون كثيراً: «الفرص في السياسة تمرّ مثل السحاب، ومَن لا يمدّ يده في الوقت المناسب يراها تعبر فوقه». لذلك فإنّ التأخير في التقاط هذه اللحظة قد يعني ببساطة خسارتها. ويختم المصدر الغربي بكلمة تختصر فلسفة التفاوض التي يؤمن بها كثير من الديبلوماسيين: «عندما تختلف مع عدوك، اجلس معه على الطاولة، لأنك إذا لم تفعل فستلتقيه في ساحة المعركة».

 

ولبنان اليوم، برأي هذا المصدر، أمام خيار واضح: إمّا أن يسير نحو طاولة الحوار ولو ببطء، وإمّا أن يترك الآخرين يقرّرون مصيره. وفي مثل هذه اللحظات، كما يقول مثل آخر يتردَّد كثيراً في عالم السياسة، «مَن يتردَّد كثيراً يخسر الطريق». لذلك فإنّ المطلوب من الرئيسَين عون وسلام، في نظر هذه القراءة الغربية، هو المضي قدماً لأنّ مسارات التسويات الكبرى تبدأ غالباً بخطوة جريئة.

الأكثر قراءة